بطارية بكتيرية لإنتاج الكهرباء



Rating  0
Views   1336
فرح فاهم السرحان
7/17/2011 3:52:02 PM


انتاج البطاريات البكتيرية سيؤدي الى إحداث ثورة حقيقية في عالم الطاقة، فالتكنولوجيا الكيميائية المستخدمة في انتاج الكهرباء، تستهلك الكثير من المنتجات التي تمت تنقيتها، كالهيدروجين والميثان او الميثانول نظراً لاحتوائها على كمية كبيرة من البلاتين المستخدم بدوره لاتمام التفاعلات الكيماوية، الأمر الذي يجعل منها مواد باهظة التكاليف. في المقابل، نجد ان البطاريات الحيوية التي تستخدم البكتيريا يمكنها الاستغناء عن البلاتين.

وكان أوي شرويدر الباحث الألماني في الكيمياء الكهربائية في جامعة جريسفوالد الألمانية، نشر منذ فترة وجيزة، دراسة يثبت فيها ان الحلم يمكن ان يتحول الى حقيقة، حيث استطاع ان يتجاوز الارقام القياسية السابقة في مجال انتاج التيار الكهربائي المتولد بطريقة متجددة انطلاقاً من كائنات ميكروية، تتمثل في نوع من البكتيريا يعرف ب”الإشريكية القولونية” وهي عبارة عن خلايا ميكروسكوبية ذات اشكال عضوية تنتشر في البيئة وخاصة في امعاء الانسان. وبالنظر الى قيمة شدة التيار الكهربائي التي حصل عليها الباحث والمتمثلة ب1،5 ملي أمبير، نجد ان هذه القيمة ممتازة جداً مقارنة مع النتائج التي تم التوصل اليها مسبقاً والتي بلغت جزءاً من الميكرو أمبير لكل سنتيمتر مربع، ويقول الباحثون ان تجربة “أوي” تعتبر خطوة جريئة ومهمة نحو تجسيد فكرة
البطارية البكتيرية


.
 

المدهش في الأمر ان وقود البطارية البكتيرية يمكن ان يقتصر على ماء المجاري لاحتوائه على المادة العضوية.

والسر في البطارية البكتيرية يكمن في طريقة عملها، فما دامت البكتيريا تلتهم المادة العضوية وتهضمها، فإنها تكون حينئذ قد امتلأت حتى الثمالة بالالكترونات، ولكي لا تتلف البكتيريا آليتها الكيميائية الحيوية، لابد لها بالطبع من التخلص من ذلك الفائض من الالكترونات.

وفي الحالات العادية تتخلص البكتيريا من هذه الالكترونات بمساعدة الأوكسجين الموجود في الهواء، حيث يتحد هذا العنصر مع الكترونات وبروتونات الهيدروجين التي تولدت جراء تفكك المادة العضوية، مكوناً الماء الذي يعتبر غير ضار بالميكروبات.

ويكمن عمل الباحثين في ايقاف التفاعل السابق الذي يؤدي الى تكون الماء وجعله بعيداً عن البكتيريا، بمعنى انهم يجبرون الالكترونات على السير عبر دائرة كهربائية، قبل ان يتم تحييدها او ازالة مفعولها. وبهذه الطريقة نجد ان البطارية تتكون من جزءين: احدهما محفوظ بمنأى عن تأثير الهواء، ومليء بالبكتيريا التي تعزل الالكترونات، والآخر معرض للأوكسجين ويضم التفاعل الذي يؤدي الى تكوين الماء، وبالنتيجة يتولد التيار الكهربائي جراء مرور الالكترونات بين جزءي البطارية.

رقم قياسي: والواقع ان التيار الكهربائي الناتج من هذه العملية ليس بالشيء الهائل مقارنة مع ما يستخدمه الانسان في حياته لتشغيل الأجهزة، لكن الرقم القياسي الذي حصل عليه الباحث (أوي) 1،5 ملي أمبير لكل سم مربع تحت تأثير فرق في الجهد يساوي 0،2 فولت يعتبر شيئاً مهماً بالنسبة لبطارية من هذا النوع.

ومنذ ثلاثين سنة، يعوّل الباحثون على هذا الأمر، فهم يعتقدون ان الالكترونات المخزنة داخل البكتيريا صعبة المنال، ولذا كان عليهم ان يخترعوا تقنية تسمى “خطف الالكترونات”. وقد نحا الباحثون في ذلك طريقة تتمثل في اضافة حوافز كيميائية كالتيونين او فيريسيانيد البوتاسيوم التي تدخل في الميكروبات وتحجز الالكترونات، قبل ان تعاود الخروج لمنحها لالكترود معدني وتزويد الدائرة الكهربائية بها. وجل ما يمكن ان نخرج به من هذه التجربة يتراوح بين 30 و60% من الالكترونات.

ويعتقد الباحثون ان المواد المحفزة المستخدمة ربما تكون ملوثة بل وسامة للوسط البكتيري، ولذا فإن الالكترونات الناتجة يمكن ان تسبب عطلاً في التيار بعد فترة. وللحيلولة دون ذلك قام الباحث (أوي شرويدر) باستبدال الوسيط الكيميائي السابق بطبقة رقيقة من “البولي أنيلين” المعروفة بموصليتها الجيدة، ثم وضعها على سطح الآنود. ومن مميزات “البولي أنيلين” انه يسحب الالكترونات من البكتيريا المارة بمحاذاتها. وتمكن الباحث من التوصل الى طريقة يستبعد فيها وجود اول اكسيد الكربون الذي يؤدي بتجمعه الى عزل الالكترود والتقليل من توصيله للتيار الكهربائي.

البكتيريا المعجزة: لم يتوقف الباحثون عند البداية التي أطلقها الألماني “أوي” بل اكتشف باحث امريكي نوعاً من البكتيريا المعجزة لتشغيل البطارية الحيوية، فخلافاً لما هي عليه بكتيريا الاشكيرية القولونية التي استخدمها “أوي”، فإن بكتيريا الباحث الامريكي Geobacter مجهزة بانزيمات تسهم في توزيع الالكترونات وتوجيهها نحو الأيونات المعدنية، ومن هنا اطلق على هذه البكتيريا تعبير “البكتيريا المختزلة للمعدن”، بمعنى انه لم تعد ثمة حاجة لأية وسائط كيميائية محفزة.

وكان الباحثان كلار ريمرز من مركز العلوم البحرية في جامعة اوريجون وليونارد تندر من مختبر البحث البحري في واشنطن، قد عملا منذ العام 1999 على تحويل الرواسب البحرية الى مفاعل لانتاج الطاقة الكهربائية. ويقول الباحثان ان الطبقات العميقة في المحيط المحرومة من الأوكسجين والطبقات السطحية المؤكسدة تشبه الى حد بعيد جزءي البطارية الحيوي، ولذا لا يبقى بعد ذلك الا تحفيز هاتين الطبقتين على انتاج الكهرباء عن طريق الوصل بينهما بالكترودات. وبالفعل تم الحصول على بضعة واطات من الكهرباء. وعندما بحث العلماء عن نوع البكتيريا التي تقوم بانتاج الالكترونات كانت مفاجأتهم كبيرة، فقد وجدوا ان الالكترودات مغطاة بكميات كبيرة من بكتيريا Geobacter Sulfurreducens المعروفة أصلاً بقدرتها على مبادلة الالكترونات بأيونات الحديد، لكن الباحثين كانوايجهلون تماماً قدرة هذه البكتيريا ايضاً على التواصل مع الالكترونات الموجودة في اي الكترود موصل للكهرباء، المثير في الامر ان هذا النوع من البكتيريا قادر على تجميع الالكترونات والتخلي عنها للالكترودات بكل سهولة.

ويعمل الباحثون حالياً على الجمع بين نوعي البكتيريا (E-Coli) المعروفة بموصليتها الفائقة وGeobacter المعروفة بسهولة الحصول عليها من مياه المجاري. وتكمن فكرة العلماء المستقبلية في ايجاد الكترود يتناسب مع نوعي البكتيريا، من خلال إحداث تغيير في جينات البكتيريا E-Coli وحثها على تقبل بروتينات ذات أغشية لها علاقة بالبكتيريا Geobacter. ومن هنا يتساءل العلماء، هل سندخل في عصر الهجوم على “الماء الأسود”؟! وهل ستصبح مياه المجاري مادة لانتاج الكهرباء؟


آفاق مستقبلية: يتطلع العلماء بدءاً من هذا العام وحتى العام ،2008 الى انتاج الجيل الاول من البطاريات الحيوية الكبيرة التي سيتم استخدامها في مجال تصنيع المنتجات الزراعية التي يتم تحويلها الى أغذية وكذلك في محطات تصفية المياه. وستعمل المصانع على استخدام البطاريات الحيوية في تنظيف مخلفاتها العضوية وتحويلها الى عناصر منتجة للكهرباء.

ويسعى العلماء الى ما هو اكثر دهشة من ذلك، ففي الفترة الواقعة بين 2010 - 2015 يمكن للسيارات الكهربائية ان تسير بالسكر الذي يعتبر الغذاء المفضل للبكتيريا! ويحاول بعض الباحثين في المستقبل البعيد التخلص من البكتيريا والاحتفاظ بانزيماتها فقط لانتاج ما يسمى بالبطاريات الانزيمية. ومن استخدامات هذه البطاريات انها يمكن ان تحصل على الطاقة من دم الشخص نفسه، بمعنى انه اذا احتاج أحد الاشخاص جهازاً لتقوية عضلة القلب، فليس ثمة داع لبطارية معدنية، بل يمكن الحصول على الطاقة من السكر الذائب في الدم لتشغيل جهاز تنشيط القلب (Pacemaker).

 



وصف الــ Tags لهذا الموضوع   بطارية بكتيرية لإنتاج الكهرباء